أرشــــــيـــف حوار الخيمة العربية

أرشــــــيـــف حوار الخيمة العربية (http://hewar.khayma.com/index.php)
-   الخيمة السياسية (http://hewar.khayma.com/forumdisplay.php?f=11)
-   -   قــامــوس الـحــرب (http://hewar.khayma.com/showthread.php?t=39212)

علي علي2 21-04-2004 04:37 AM

قــامــوس الـحــرب
 
قــامــوس الـحــرب

الياس خوري



في الطبعة الجديدة من قاموس "ويبستر" الاميركي، يعثر القارئ على تعريف جديد ومثير للاسامية. في الطبعات السابقة (صدرت الطبعة الاولى من القاموس عام 1961)، اتخذ التعريف شكلاً تقريرياً موضوعياً، لكنه تحوّل الآن موقفاً ايديولوجياً صارخاً، يثير العجب.

عُرّفت اللاسامية في الطبعات السابقة على الشكل الآتي: "انها العداء لليهود كمجموعة عرقية وأقلية دينية". اما في القاموس الجديد فقد اضيفت الى الجملة الاولى، جملة جديدة تقول: "وهي العداء للصهيونية، والتعاطف مع مناهضي دولة اسرائيل". اي ان القاموس الاميركي شطب تاريخاً ثقافياً كاملاً من العداء اليهودي للصهيونية، يبدأ بأنشتاين ويمتد الى حنة ارندت ونعوم تشومسكي. ففي عرف القاموس الاميركي، يجب اعتبار هؤلاء معادين للسامية.

حين يتمّ استخدام عبارة "العداء للسامية" في الغرب، فإنها تحيل في شكل مباشر على الفاشية والنازية. أي ان عدداً لا يُحصى من الذين ناضلوا ضد الفاشية، صاروا في عرف القاموس الاميركي نازيين وفاشيين!

يذكّر هذا التعريف، بذاك الذي نجده في قاموس "اوكسفورد"، طبعة ،1976 للفلسطيني: "انه الشخص الذي يسعى الى طرد الاسرائيليين من فلسطين"! اما الفلسطيني الذي طرده الاسرائيليون، او الذي بقي كمواطن من الدرجة الثانية، او الذي يعيش تحت الاحتلال، فليس موجوداً! اضطر قاموس "اوكسفورد" في طبعاته اللاحقة الى تغيير هذا التعريف اللاأخلاقي، وعاد الى صيغة محايدة: "انه من سكان فلسطين الاصليين او يقيم في فلسطين".

مشكلة تحديد معاني الكلمات في القواميس صعبة وقد تثير الكثير من الجدل، لكنها تعكس التيارات الايديولوجية المسيطرة، وتحاول بثّ الافكار السائدة في شكل "موضوعي"، عبر تقديم معانٍ جديدة لكلمات قديمة، او عبر ادخال كلمات متداولة الى الحرم اللغوي.

الخطر و/او الخطأ في تعريف "ويبستر"، متأتٍّ من طابعه الايديولوجي الصارخ، ومحاولته التحايل على المعنى، عبر جرّ الكلمة الى مكان جديد، وتحميلها عبء خوض الحرب على الآخرين. اللاسامية، كتعبير، ولدت في المانيا عام .1880 وكان وليم مار اول من استخدم هذه الكلمة الجديدة، وجعلها تحلّ مكان عبارة "كراهية اليهود". ثم تحولت اللاسامية فصارت احد مسوّغات المحرقة الوحشية التي قام بها النازي من اجل ابادة اليهود في اوروبا.

ان هذه الكلمة رغم عدم دقتها، تحمل تاريخاً من الاضطهاد والجريمة، حوّلها من كلمة مواربة، الى كلمة حقيقية تثير الاشمئزاز والخوف في العالم.

المحاولة الجديدة لدمج العداء للاسامية بالعداء للصهيونية، تنقل الحرب الى الكلمات والقواميس. وهذا سوف يعني ان الاكثرية الساحقة من الشعوب العربية والاسلامية، واكثرية الشعوب الاوروبية، معادية للسامية. اي ان العالم عنصري ولاسامي، ولا يوجد مكان آمن لليهود الا في اسرائيل والولايات المتحدة!

انها العنصرية المقلوبة في اكثر تجلياتها وضوحاً. يجب إخراس جميع الاصوات في الاعلام والثقافة والجامعات، التي تنتقد السياسة الاسرائيلية، لأن اي نقد لمجموعة السفاحين التي تحكم اسرائيل اليوم، تحيل في شكل اوتوماتيكي على اللاسامية.

تقوم هذه العنصرية الجديدة على المنطق الصوري المتهافت. لكنه منطق مسلّح بالدبابات والطائرات، وبرؤية حمقاء للتاريخ، تفترض ان القوة تستطيع فرض لغتها وتصوراتها، وان من الممكن فرض سياسة تمييز عنصري فاقعة على الشعب الفلسطيني، ومنع نقد هذه العنصرية، باسم محاربة العنصرية!

انها السفاهة في عينها. اليمين الجديد في الولايات المتحدة، يسعى الى فرض سياسة كولونيالية على العالم العربي. لكن سلاحه الذي يقصف ويقتل، ليس المدافع وحدها، بل الكلمات ايضاً.

الكلمات تقتل لأنها سلاح، لا معنى للسلاح من دونه. يلجأون اليوم الى الارهاب اللغوي، في سياق سياسة فرض التخويف على الآخرين. لكنهم في سبيل ذلك، مضطرون الى محو تاريخ الثقافة الغربية، في علاماته المضيئة، من عصر الانوار الى اليوم. اي ان الانقلاب الثقافي الذي يحاوله اليمين الجديد المتحالف مع التيارات القومية والاصولية الاسرائيلية، يسعى الى اعادة كتابة تاريخ الثقافة في العالم، بحيث تتم استعادة اكثر اشكال العنصرية بذاءة، ويتم عزل الصراع في فلسطين عن تاريخه وحقيقته، وتحويله صراعاً دينياً - عنصرياً، يسمح للصليبية الجديدة، بأن تستعيد قدرتها على الفعل، وتغرق العالم العربي في الدم والدموع.

غير ان اصحاب هذه الاندفاعة في الاوساط اليهودية العنصرية، لا يعون ان العنصرية سلاح واحد، حتى وإن اتخذ وجوهاً متعددة، وأن العداء للعرب والاسلام، ومنع أي نقد للعنصرية الاسرائيلية، مؤهل لأن ينقلب في أي لحظة الى لاسامية حقيقية في الغرب. وهذا ما يؤشر اليه الصعود الاصولي الديني المسيحي، الذي قد يستعيد "جذوره" اللاسامية، وعندها تكون الصهيونية قد قادت اليهود الى وادٍ جديد من الاضطهاد.

حرب الكلمات، تتخذ اليوم اشكالاً جديدة. فالاعلام الاميركي يكتفي بنصف العبارات، لأنه عاجز عن ان يكون منطقياً. فحين تصف الأمم المتحدة الوجود الاميركي في العراق بأنه احتلال، ويوافق الاميركيون على ذلك، فإن النصف الثاني من الكلمة يجري استبداله. بدل الحديث عن المقاومة في الفلوجة والرمادي، يتم الحديث عن عصابات وزعران. وبدل الاعتراف بأن الاحتلال يقود حتماً الى المقاومة، يجري اللجوء الى العقاب الجماعي، عبر استخدام المنطق الكولونيالي القديم بكل صفاته.

حين تصل الامور الى القواميس، فإن هذا يعني ان الفكر النيوكولونيالي، يسعى الى الحسم النهائي. فالحرب التي شُنّت في الشرق الاوسط، لم يكن هدفها اسقاط الديكتاتوريات وإحلال الديموقراطية، بل كان لها هدف واحد، هو انهاء الصراع العربي - الاسرائيلي بالقوة، وفرض الاستسلام الشامل على الفلسطينيين والعرب، عبر تفجير المنطقة، والتلاعب بأحشائها الطائفية والاقوامية.

من هنا نفهم ان اللعبة اللغوية واحدة. تحويل المقاومين في العراق الى زعران، والمناضلين في فلسطين الى ارهابيين، هو الوجه الآخر للتعامل مع أي نقد للعنصرية الاسرائيلية في وصفه لاسامية. والوجهان يرسمان افق الحروب الآتية التي سوف تجعل من ارض العرب، جلجلة الانسان في القرن الحادي والعشرين.


Powered by vBulletin Version 3.5.1
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.