أرشــــــيـــف حوار الخيمة العربية

أرشــــــيـــف حوار الخيمة العربية (http://hewar.khayma.com/index.php)
-   الخيمة السياسية (http://hewar.khayma.com/forumdisplay.php?f=11)
-   -   (الهجرة) وحق الإنسان في التفكير والاختيار (http://hewar.khayma.com/showthread.php?t=10877)

صلاح الدين 25-03-2001 09:23 PM

(الهجرة) وحق الإنسان في التفكير والاختيار
 
يحتفل العالم الإسلامي هذا العام بذكرى الهجرة النبوية الشريفة في ظروف قاسية أقل ما يقال فيها إنها مأساة متكاملة العناصر، ففي أنحاء متفرقة منه حروب داخلية عاصفة أكلت الأخضر واليابس ولم تدع فرصة لالتقاط الأنفاس، وساهمت في تراجع بعض مواقعه المتقدمة، بينما تعيش مناطق أخرى منه هجمة خارجية تدمر في طريقها كل أثر للحياة، يساهم في أوارها ضعف العالم الإسلامي وافتقاد المنظمات الدولية لآلية فاعلة تستطيع إيقاف التدهور، ولعل كوسوفو أقرب الأمثلة إلينا، بعدما سبقتها قضايا مشابهة ابتداء من قضية فلسطين وكشمير والفليبين ومروراً بجنوب السودان والبوسنة والهرسك وكارباخ.

= يتبع =

صلاح الدين 26-03-2001 08:34 AM

لقد تداخلت المصالح والاحتياجات في عالم اليوم إلى حد التأثّر المرهف بكل ما يقع على الساحة الدولية مهما بدا صغيراً أو غير ذي بال، فقد تقاربت الأقاليم المتباعدة بسبب وسائل الاتصالات والمواصلات الحديثة، وما يجري في بقعة ما من العالم يؤثر على بقية البقاع إما سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً.

لم يعد أيٌّ منا في منأى عن التأثر والتأثير كما كان الحال قبل عقود معدودات، ولم يعد أحد قادراً على الاعتزال مهما حاول، فالدنيا في حِجر كل منا، شاء أم أبى، ورضي أم كره، وبالتالي فإن الأحداث (الداخلية) لم تعد كذلك، وبات كل حدث (عالمياً) بحكم الواقع الذي نتكلم عنه.

= يتبع =

صلاح الدين 26-03-2001 07:50 PM

ألا ترى أن مشكلة مغنية صاعدة، أو متدربة متطوعة، أو حادث سيارة في منطقة ما من العالم، تصبح مشكلة عالمية تشغل الرأي العام بسبب تبني الإعلام لها، مخطئاً كان أو مصيباً، وقد يترتب عليها مآسٍ فردية وجماعية، فكم من إشكال قام هنا أو هناك بسبب التهور والنفوس المشحونة المنتظرة على فوهة بركان يشعل نارها المدمرة عود ثقاب عابث بيد عابثة! وينتقل الخبر انتقال النار في الهشيم فينتقم مَنْ هنا لحدث وقع هناك يفصل بينه وبين أهله بحار وقارات؟

وكما هو السائد، يتناول خطباء ذكرى الهجرة – وأية ذكرى أخرى - الوجه المأساوي لواقع الأمة اليوم، ويتطرق آخرون إلى ما وقع في الهجرة من أحداث، وينصح البعض بترك الاحتفالات جملة وتفصيلاً باعتبارها بدعة في الدين لم ينزل الله فيها من سلطان، بينما يتمسك آخرون، ويبالغون في مظاهر الاحتفاء؛ ربما لعلة التعويض عن الواقع باللجوء إلى الماضي؛ فالماضي يحافظ في الوعي العربي المعاصر على نضرة ألوانه، بخلاف الواقع الذي لا يرى فيه سوى سجلا مزدحماً بالهزائم والتراجعات والتبعية، مع ما في هذه الصورة السوداء من مبالغة.

= يتبع =

صلاح الدين 26-03-2001 07:53 PM

للحذف مكرر -
صلاح الدين

صلاح الدين 27-03-2001 10:17 PM

ولكن المسألة الأهم في الهجرة - وهي موقع الإنسان في الإسلام نفسه - لم يتطرق إليها جل الخطباء الأفاضل، ونعني بالإنسان هذا المخلوق المكرّم بغض النظر عن المواصفات الأخرى الدخيلة عليه، كالعِرق واللغة واللون والمستوى الاجتماعي والمالي.

وفي خضم التقليدية الصارمة التي تفرض نفسها علينا يدور معظم الحوار على القضايا الهامشية التي تأتي نتيجة للالتزام وليس مقدمة له، وننسى كما ينسى كل مشغول بأزمته عما حوله، فندخل في التفاصيل والنتائج قبل معالجة الأسباب والمسببات، وبذلك تراوح الأزمة داخل متاهة تتداخل طرقاتها وتدفع بالسائر فيها إلى النهايات المغلقة، ليعاود المحاولة اللاهثة من جديد.
= يتبع =

صلاح الدين 28-03-2001 10:01 PM

لقد كانت الهجرة في بعدها الأول تحقيقاً ميدانياً وممارسة واقعية للحرية، حرية العقيدة وحرية الاختيار، ففي المجتمع المكي الجاهلي لم تكن حرية الاختيار مسألة مطروحة فيما يعنى بالواقع المكي لا من الناحية الفكرية ولا الاجتماعية بالرغم من احتكاك المكيين من خلال التجارة بالأمم المحيطة بهم، وبينها أمم تتحكم بالقرار الإقليمي والدولي – ضمن إمكانيات تلك المرحلة التاريخية – وهي أمم ذات حضارة راقية متمكنة كالفرس والروم والحبشة.

وكان على كل من تمرّد من المكيين على الواقع السائد، كان عليه الاعتزال أو الانكفاء على نفسه، محتفظاً بآرائه لا يجهر بها – اللهم إلا تلميحاً – ولعلّ وجود بضعة أفراد من الأحناف يؤكد هذا الذي ذهبنا إليه، منهم ورقة بن نوفل، أحد أبناء عمومة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها).
= يتبع =

صلاح الدين 29-03-2001 10:40 PM

كانت السياسة العامة المتبعة في قريش، بما في ذلك توزيع المهمات المتعلقة بالتجارة والرفادة والسقاية، كانت أموراً ثابتة، لا يسمح المسّ بها إلا بالقدر الذي لا يؤثر على السياق العام للحياة المكية اليومية، فهناك وظائف محددة لقبائل محددة ضمن شروط معروفة مسبقاً تم التفاهم عليها، ولها في نظر المكيين قدسية تحفظ لهم أمنهم الداخلي وهيبتهم بين العرب الذين يقدسون البيت الحرام فيها.

ويمكن القول بأن (الاجتهاد) والتغيير في أنماط الحياة وفي المفاهيم السائدة - بل إلى حد بعيد في الوسائل والآليات - كان بعيداً كل البعد عن مجالس المكيين، فهناك دار الندوة، ولأهلها وحدهم الحل والعقد والأمر والنهي، في صورة بدائية من صور الشورى التي لم تصل إلى مستوى المؤسسة، وهؤلاء تفرضهم أسرهم المتنفذة، وعلى العامّة السمع والطاعة.

أما العبيد فسقط متاع لا رأي لهم، وليس على مالكي رقابهم أي حرج من استخدامهم بالطريقة التي تروق لهم، والقتل والجلد واستخدام العنف في التأديب قاموس يومي لا يجرؤ أحد على تغييره أو الاعتراض عليه.
= يتبع =

صلاح الدين 30-03-2001 07:17 PM

وفيما كانت المرأة المكية محترمة تأخذ مكانتها من مكانة أسرتها وقد تتدخل في شؤون الرجال من خلال زوجها أو ولدها أو تجارتها كانت المرأة الأَمَة تعيش حياة بؤس وتستخدم كما يحلو لسادتها ومالكي رقبتها، ولطالما دُفعت إلى البغاء ترفيهاً عن السادة الكبار، ونوعاً من أنواع التسلية للوافدين بتجارة أو حج، وعرفت مكة (الرايات الحمر) دليلا على بيوت الدعارة التي تنتهك فيها كرامة الأمة الآدمية مقابل الدرهم والدينار.
= يتبع =

صلاح الدين 31-03-2001 04:40 AM

كانت مكة مغلقةً في وجه التغيير، حريصة على استمرار الموروث كما هو، لأنه – بزعم الملأ من أهلها – يوفّر الطعام من جوع والأمن من خوف، ولأنه يحافظ على هذه المعادلة المعقّدة من التوازن بين أسرها المتنفّذة، وكان النفوذ المالي متحكماً بالمجتمع المكي، وكانت الكهانة تبعاً له.

فالحرم وما حوله تحوّل إلى نوع من سوق المال والأعمال، وحلقات متكاملة من الصناعة والتجارة تقوم حول أصنام العرب في البيت العتيق، وتعطيل التفكير الفردي جزء مهم في الحفاظ على الأوضاع بشكلها السائد، فالتفكير سيفتح أبواباً مقلقة لطالما حرص القرشيون على إغلاقها، لم يكن أمام الأفكار المستبصرة سوى الأسوار والحواجز والصمت المطبق، حتى بدت جدران مكة محصنةً يصعب اختراقها.
= يتبع =

صلاح الدين 01-04-2001 05:29 AM

لم يقبل المجتمع المكي من المسلمين أن ينصرفوا إلى دينهم بدون عوائق، لأن المجتمع المكي لم يعتبر (الدين) شأناً شخصياً، ولم يستطع استيعاب: {لكم دينكم وليَ دينِ} بالرغم من فصاحة الملأ في مكة وتعمقهم في فهم العربية، فهو يريد الفرد على صورة من سبق: {إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف/23].

لم يكن للإنسان الفرد وجود في مكة، الوجود الوحيد المعترف به هو وجود القبيلة، والعشيرة، والأسرة، ولذلك كان الخطاب المكي الرافض يتحدث عن (بني هاشم) ولا يتحدث عن محمد (صلى الله عليه وسلم).

رأى الملأ من المكيين التوازن مهدداً بظهور نبي من بني هاشم، فمن أين يأتي الآخرون بأنبياء؟

وكل الأسر عندهم تجار بارزون، وفرسان يشار إليهم بالبنان، ومفاوضون من الطراز الأول، وشعراء مفوّهون مبدعون، كل هذه الميادين مقدور عليها والتنافس فيها لا يؤثر على التوازن العشائري، ولكن النبوّة أمر مختلف، أمر يستحيل تحقيقه، ومكة لا تريد لبني هاشم أن يتفردوا فيها بأمر يزلزل توازناتها ويهدد – فيما يظهر لهم – تجارتها ومكانتها بين العرب.

= يتبع =


Powered by vBulletin Version 3.5.1
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.