عرض مشاركة مفردة
  #75  
قديم 22-03-2003, 04:55 PM
السلفيالمحتار السلفيالمحتار غير متصل
لست عنصريا ولا مذهبيا
 
تاريخ التّسجيل: Mar 2002
المشاركات: 1,578
إرسال رسالة عبر بريد الياهو إلى السلفيالمحتار
إفتراضي












































وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ امَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلآَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون * وإِِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * اَلآ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ)(البقرة/8-12)

كيف ولماذا تفشت العبودية المقيتة للأصنام البشرية والحجرية وتكرست عبر التأريخ.. مع أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الناس على الفطرة، وأخذ منهم الميثاق المؤكد في عالم الذر، كما بعث إليهم الرسل والكتب السماوية، فقد خلقهم ليكونوا أحراراً فيعبدوه وحده لا شريك له. ومع أن فطرة الإنسان ووجدانه وضميره وكل مرتكزات إنسانيته تمقت وترفض العبودية والخنوع والاستسلام لبشر مثله، ولكن رغم كل ذلك، نرى أن التاريخ قد اسودّ بقصص العبودية لغير الله والخضوع للطاغوت.

ففرعون قال: أنا ربكم الأعلى.. ونمرود صنع أصناماً وانتصر لها، وحاول إحراق النبي إبراهيم (عليه السلام) الذي حطمها وأراد تخليص الناس من أسر عبوديتها..

هكذا كان ملف التأريخ البشري، فكل من طغى؛ جاء وطغى واستعبد الناس واستكبر في الأرض بغير الحق وعلا فيها، وجعل الناس شيعاً. يستضعف طائفة منهم.. فلماذا حدث كل هذا الذي حدث، وكيف يتم الخلاص من أمثاله في عصرنا الحاضر؛ لا سيما وأن التاريخ مازال يعيد نفسه المرة تلو الأخرى؟!

إن الحقيقة كلها تتلخص في أن السرّاق إذا ما عزموا على سرقة متاعٍ ما، فإنهم يقدمون على إطفاء أي مصباح يواجههم، إذ الظلام ـ باعتقادهم - خير وسيلة للتغطية على ما يقومون به. أما إذا كان الشيء الذي يراد السطو عليه محاطاً بأجهزة التنبيه والإنذار، فإنهم يقومون أيضاً بتعطيل تلك الأجهزة قبل القيام بجريمتهم.

وهكذا الشيطان وأعوانه، نظروا للإنسان الذي حسدوه على ما آتاه الله من فضل وكرامة، وخلافة في الأرض.. فاستهدفوا تحطيمه وتضيعه، فرأوا أن لهذا الإنسان عقلاً وضميراً ووجداناً، وأنه من دون القضاء على هذه الجنود الربانية المباركة، والتشويش عليها، سيستحيل عليهم عمل شيء، لأن عقل الإنسان مصباحه المنير وجهاز إنذاره الذي يحول دون سرقته والتحايل عليه.

لقد أخرج الشيطان الرجيم أبانا آدم وأمنا حواء من جنة الرضوان الإلهية إلى حيث العذاب والسخط والمآسي والامتحان المتواصل، وذلك بعد أن وسوس لهما، فحجب عقليهما بهذه الوسوسة، بعد أن أكد لهما بالقسم العظيم بأن الله لم يمنعهما عن الأكل من الشجرة، إلا لأنها شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى.. فانخدعا بوسوسته، فذاقا ثمرة تلك الشجرة، فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان على أنفسهما من ورق الجنة.

إن هذا الشيطان هو الذي يوسوس لي ولك أيها الإنسان، فيحاول بالوسوسة إطفاء نور العقل وحجب نباهة الضمير والوجدان..

ومن هنا؛ فقد أمر الله تعالى الناس بقوله القاطع: (وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر/5) إذ الشيطان قد أخذ على نفسه أن يغر أبناء آدم وبناته، فيقعد لهم عند الصراط المستقيم ليحيدهم عنه بعد أن يوسوس لهم ويشوش عليهم ويغرهم بما استطاع من حيل وأكاذيب وخدع.. فتراه ينفث في عقائد الناس ويهدم مبانيهم الفكرية فيغويهم ويبعدهم عن الطريق الصحيح، فلا يجدون طريقاً سوى ما يرسمه لهم.

والله عز اسمه كان قد حذر الناس جميعاً السقوط في هذا المطب السحيق والرهيب بقوله: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ)(يس/60-62) فهذا الشيطان ليس وليد اليوم، وليس بحوزته خدعة واحدة فحسب، بل هو موجود قبل وجود البشر، وهو معهم أينما كانوا ويكونون. فهو يخدع الإنسان، بدءاً بأبينا آدم، حيث أخرجه من الجنة، ومروراً بخدعة للأمم والأقوام، كقوم نوحٍ وثمود وعاد، وأمثالهم الكثير الذي لا يحصى عدداً.

ولتعلم أيها الأخ المؤمن؛ إن الإنسان مأمور بالاتعاظ بتجارب التاريخ ودروسه، لكي يتحاشى وساوس الشيطان الذي يجري في ابن آدم مجرى الدم في العروق.

فالشيطان قد يتجسد في المخلوق الناري الذي يدعى الجن، وقد يتجسد تارة أخرى في الإنسان الذي خلق من طين. فالشيطان إذا خدع الإنسان وسيطر على تفكيره ونوع عقيدته، فإن هذا الإنسان سينظر بعين الشيطان ويسمع بأذنه ويتكلم بلسانه، فينفث بوساوسه في كل أنحاء حياته، حتى يتحول إلى شيطان تام، فيكون شيطاناً إنسياً. كفرعون ومعاوية ويزيد وعمر بن سعد.. بل إن بعضاً من شياطين الإنس يرون شياطين الجن –حيث يوحي بعضهم إلى بعض- فيقعدون معهم ويكون بعضهم قرناء إلى بعض.

ومثلما يصنع السارق، فيطفئ مصباح البيت ليسرق، كذلك يصنع سارق الإنسان والمجتمع، فيطفئ نور العقل ونور المجتمع..

فيا ترى ما هو نور المجتمع؟

يجيب الله سبحانه وتعالى على هذا السؤال بقوله المجيد: (يَآأَيُّهَا النَّبِيُّ اِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً)(الأحزاب/45-46) فالنبي هو السراج وهو نور المجتمع والبشرية كافة.

ولعل أهم ما يقوم به شياطين الإنس هو استهدافهم الأنبياء. فكم من نبي قتل، وكم منهم عُذّب، وكم منهم شرد أو سجن. فمن الأنبياء الذي سجنوا هو النبي دانيال (عليه السلام)، إذ سجنه طاغوت عصره في بئر جعل فوقها حجارة كبيرة، ولولا أن الله تبارك وتعالى وكّل سخلة كانت تنزل البئر فتطعمه من حليبها، لمات هذا النبي العظيم جوعاً.. وذاك النبي زكريا (عليه السلام) الذي هرب من اضطهاد طغاة قومه له، فلجأ إلى شجرة كبيرة ليختفي في داخلها، فدلّ الشيطان قومه عليه فنشروا الشجرة - والنبي فيها - بالمنشار وقضوا على نبيهم ظلماً وعدواناً.

وهذا نبينا الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) الذي تعرض لألوان الأذى والتنكيل بادئ بدءٍ، ثم اضطر إلى السجن والمقاطعة الاقتصادية في شعب أبي طالب رضي الله عنه، حتى بلغ به وبالمؤمنين القلائل الأمر إلى التقوت على أكل نبات الأرض.. ثم اضطر مرة أخرى الهجرة بأتباعه إلى المدينة حتى انتهى به الأمر إلى القتل والاستشهاد بالسم، انسياقاً مع الحديث القائل: " ما منا إلا مقتول أو مسموم" .

وكما استهدف شياطين الإنس الأنبياء، كذلك كان الأولياء والأئمة المعصومون هدفاً آخر، ومن بعدهم كان العلماء الربانيون، حيث استهدفهم الطغاة الواحد بعد الآخر.. فإما كانوا يتعرضون للقتل أو السجن أو اغتيال الشخصية عبر نشر الأكاذيب والأباطيل من حولهم لإخفائهم وإطفاء نورهم الذي يشكل نور المجتمع برمته.. فعمل الطغاة وشياطين الإنس على إيجاد بدائل لهم من الفقهاء المزيفين والعباد المزوّقين والثوار المصطنعين.. وما يزال سعى الطغاة مستمراً وجارياً على قدم وساق حتى اللحظة الراهنة.

وفي خضم هذا الصراع الأبدي بين النور الإلهي المتمثل بنور العقل والأنبياء والعلماء، وبين خداع الشيطان ومحاولة الطغاة لتغييب الأنبياء ودورهم وقتل الأولياء، في هذا الخضم جاءت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).

فقد تفجرت هذه الثورة الربانية في الواقع كحركة تصحيحية كبرى، وحركة مكملة ومتممة لحركة الأنبياء جميعاً، لتكون ميزاناً بين الحق والباطل، وبين علماء الله ووعاظ السلاطين.

وإنني لعاجز كل العجز عن وصف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، فهي نهضة وقيام ومسيرة وملحمة، ومهما تماديت بالوصف ما بلغت عشر معشار حقيقتها.. ولكن الإمام الصادق عليه السلام يعلمنا كيف نخاطب عملاق هذه الثورة، فنقف ونقول: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله.. السلام عليك يا ورارث نوحٍ نبي الله…" فالذي يعرف تاريخ آدم وقصته، يعرف مدى آفاق هذه الكلمة, إذ هو وارث من أسجد الله له الملائكة أجمعين. وهو وارث النبي نوح شيخ المرسلين عليه السلام، الذي أنجاه الله تعالى من الطوفان وجعله أباً للبشرية الجديدة. وهو وارث النبي إبراهيم عليه السلام محطم الأصنام وصاحب الملّة المسلمة، وهو وارث النبي موسى عليه السلام الذي دمر عرش فرعون، وهو وارث النبي عيسى روح الله عليه السلام وكلمته، وهو وارث جميع الأنبياء والرسل بما يمثلون من رسالة إلهية عظمى، وآخرهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله).. ولذلك فإن الواحد منا بحاجة إلى أسفار وأسفار نكتب فيها عن السر الأعظم الذي استطاع به الإمام الحسين (عليه السلام) تلخيص تاريخ كل النبوات في لحظات، وحقيقة تاريخ الصراع الأزلي بين الحق والباطل.

إن الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام قد ختم الصراع بين الحق والباطل لمصلحة الحق بخاتم النصر والفتح المبين، وكانت شهادته ميعاداً للأنبياء وموعداً لهم مع النصر الأبدي المؤزر.

إن النصر الحسيني أنضم إليه كل المجاهدين عبر التاريخ، فحاربوا الطغاة وقمعوهم وأسكتوهم وأنزلوهم عن عروشهم.. فأصبح الإمام الحسين ثار الله والحبل المتصل بكل السنن الإلهية وبملكوت السماوات والأرض. وهو الذي خصّه نص الزيارة الواردة عن الأئمة المعصومين والذي ينعت الحسين بأن السماوات والأرض بكتا مقتله الشريف؛ أي أن السماوات والأرض قد تجاوبتا مع حركة الإمام الحسين سلام الله عليه، فساعدتا ونصرتا من نصر الحسين.. وهذا مع بكاء السماوات والأرض.

ثم السلام عليك يا ثار الله وابن ثأره، والوتر الموتور.. أي أن هذه القتلة وهذه الشهادة وهذا الدم الذي أريق لا يمكن أن ينتهي إلاّ بانتصار الحق كله على الباطل كله، فهذه الكرة الأرضية يجب أن تطهر من كل فاسق وفاجر ومنافق وجائر..

إن العلماء الربانيين الذين أتقنوا الدرس جيداً فأصبحوا مصابيح للأمة الإسلامية لم يحملوا ولن يحملوا سوى راية الثورة الحسينية لأنها مصدر طاقتهم ووقودهم، فكان الواحد منهم يتمنى أن يقتل في سبيل الله فيحذو حذو سيد الشهداء عليه السلام ليكون فداءاً لدين الله.. ولولا تضحيات هؤلاء العلماء لما قام للمسلمين قائمة، ولكان طواغيت الزمان يحرمون الناس من الهواء الذي يتنفسونه.. فكان علمهم وتضحيتهم وشهادتهم هي التي فضحت الطواغيت والشياطين.

وكم رأينا من العلماء الشهداء الذي حملوا أرواحهم على أكفهم يتوقعون الشهادة في كل حين. فكانت شجاعتهم وبطولاتهم وهممهم وعلو طموحهم، قد حولهم إلى صروح شامخة بوجه كل سلطان طاغوت وشيطان مارد.. فهم حافظوا على اتقاد المصباح المنير للأمة.

ومن مقابل ذلك، فضحت حركة الإمام الحسين (عليه السلام) علماء السوء الذي تتعدد أنواعهم:

فمنهم من كان يتخفّى وراء الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، ويدّعي أرجحيتها على الالتحاق بركب الحسين (عليه السلام)، غافلاً أو متغافلاً عن قوله سبحانه وتعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَآجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ َامَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ)(التوبة/19).

وهناك صنف آخر من علماء السوء يتذرع بأسلوب الإصلاح الداخلي، فيقول: نذهب مع السلاطين لكي نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونقضي بالحق! ولكنه يعرف قبل كل فرد بأنه سينخرط شيئاً فشيئاً في مسيرة يزيد وابن زياد ليكون كشريح القاضي الذي أفتى بقتل ابن رسول الله وأصحابه.

فالإمام الحسين (عليه السلام) ترجم عملياً قول النبي صلى الله عليه وآله: "إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك" كما ترجم قول أبيه أمير المؤمنين عليه السلام لشريح حينما ولاّه القضاء: "يا شريح؛ جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبيٌ أو وصيُ نبيٍ أو شقيٌ !!" ولكن شريح لم يعِ الدرس أو تغافل عنه عن سابق إصرار، فكان الأمر بحاجة إلى وضوح وتجسد ومثال ظاهر للعيان. وبحركة الإمام الحسين وثورته وضعت النقاط على الحروف واكتشف الناس واقعهم وحقيقتهم، فكانت لله الحجة البالغة عليهم.

يتبع
__________________
من روائع شعري
يمامتي
ابيحوا قتلي او طوقوا فكري سياجا
فان قتلي في دجى الليل سراجا
EMAIL=candlelights144@hotmail.com]لمراسلتي عبر الإيميل[/email]