الموضوع: مرض حب الدنيا
عرض مشاركة مفردة
  #11  
قديم 27-12-2005, 11:47 AM
القعقاع بن عمرو القعقاع بن عمرو غير متصل
عضو فعّال
 
تاريخ التّسجيل: Feb 2005
المشاركات: 438
إفتراضي

أرجو أن يكونَ واضِحًا للقارئ أن ما أقولُه هنا يَجب أنْ يُطَبِّقَهُ الطبيب المتخصص وليس مع كلِّ مريضٍ لأنَّ تطبيقَ هذا الأسلوب مع مريض بعيدٍ أصلاً عن الدين إنما يترك أثرًا آخرَ في نفس المريضِ الذي يشعرُ بأن الطبيب يأخُذُ دورَ الواعِظِ وربما رفضَ العلاجَ برُمَتِّهِ!، وأؤكِّدُ مرة أخرى هنا أنني أتكلَّمُ عن علاجٍ بالقرْآن لا ينطلقُ من أنَّ الاضطراباتِ النفسية ناتجة عن مس أو تلبس بالجان ولا عن ضعفٍ في الإيمان لأنها ليست كذلك، وإنما على أساسِ أنَّ القرْآنَ هو أسمى ما لدينا من فكْرٍ وهدْيٍ نتفقُ عليه جميعًا، فمثلاً:

1- إذا أرَدْنا دعوةَ المريض إلى التفاؤل وعدم اليأس: حسبُنا أن نذَكِّرَهُ بقول الله تعالى : "......... وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون" صدقَ اللهُ العظيم " يوسف (87)"
وَقولهُ تعالى " قل يا عِبادِيَ الذينَ أسْرَفوا على أنفسِهِمْ لا تَقنَطُوا منْ رَحْمَةِ الله إنَّ اللهَ يغْفِرُ الذنوبَ جميعًا إنَّهُ هوَ الغفورُ الرحيم" صدقَ اللهُ العظيم" الزمر (53)"، ويطمئن الله المؤمنين بأنه دائماً معهم, إذا سألوه فإنه قريب منهم ويجيبهم إذا دعوه :"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"، صدقَ اللهُ العظيم ." البقرة (186)"، نحتاج إلى ذلك بما لا يدعُ مجالاً للشكِّ مع مريضِ الاكتئاب بل وأحسبها نعمة من نعم الله التي أودعها في كتابه الكريم أن يكون لدينا مثلُ ذلك النور الهادي ولا أدري كيف لا نستخدمه في علاجِ مرضانا فهذه قمة الأمن النفسي للإنسان.

2- فإذا أردْتُ تذكير المريض الواقع في كرب وضيقٍ لأيِّ مشكلة حياتيةٍ تواجههُ وقد أحسَّ أنَّهُ وحيدٌ فلماذا لا أناقشُهُ في أمرِ صلتهِ بالله عز وجل؟: فقوة الصلة بالله أمر أساسي في بناء المسلم النفسي حتى تكون حياته خالية من القلق والحزن والغم .. وتتم تقوية الصلة بالله بتنفيذ ما جاء في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: "يا غُلامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ ، إذَا سَألْتَ فاسألِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ, وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي زيادة "احْفَظِ اللَّهَ تَجدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللّه في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أنَّ ما أخْطأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً" صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأنا كطبيبٍ نفسيٍّ مسلمٍ يعالجُ مريضا مسلما في ضيقٍ وكربٍ وخوف؛ إنْ لم أُذَكِّرْهُ بمثل هذا الحديث الشريف فماذا أقولُ لهُ ؟ هل مثلا أكلمه عن نصائح ديل كارنيجي لمواجهة القلق؟؟

3- الثبات والتوازن الانفعالي: الإيمان بالله يشيع في القلب الطمأنينة والثبات والاتزان ويقي المسلم من عوامل القلق والخوف والاضطراب ... قال تعالى : " يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ " صدقَ اللهُ العظيم " إبراهيم (27)"، وأيضًا "فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" صدقَ اللهُ العظيم "البقرة (38)"، وقوله تعالى : "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وللهِ جنودُ السماواتِ و الأرضِ و كانَ الله عليمًا حكيمًا" صدقَ اللهُ العظيم" الفتح (4)"

4- الصبر عند الشدائد: يربي الإسلام في المؤمن روح الصبر عند البلاء عندما يتذكر قوله تعالى: "..... وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" صدقَ اللهُ العظيم."البقرة (177)"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له"صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

5- المرونة في مواجهة الواقع: وهي من أهم ما يحصن الإنسان من القلق أو الاضطراب حين يتدبر قوله تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" صدقَ اللهُ العظيم" البقرة (216)" وأيضًا قوله تعالى: "وعسى أنْ تكرَهُوا شيئًا ويجعلَ اللهُ فيهِ خيرًا كثيرًا" صدقَ اللهُ العظيم "النساء (19)"

6- توافق المسلم مع الآخرين: الحياة بين المسلمين حياة تعاون على البر والتقوى, والتسامح هو الطريق الذي يزيد المودة بينهم ويبعد البغضاء, وكظم الغيظ والعفو عن الناس دليل على تقوى الله وقوة التوازن النفسي:"وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيم" صدقَ اللهُ العظيم "فصلت (34)"

7- ومما نجدهُ في تراثنا الإسلامي ويفيد في علاج مرضى وساوس التجنب سواء كانت من النوع المنتمي للوسواس القهري أو لأي من أنواع الرهاب مقولةٌ أعتبرها الركيزة الأولى للعلاج المعرفي السلوكي قالها الإمام علي رضي الله عنه وهي: "إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن شدة توقيه، أعظم من الوقوع فيه" أي التعرض التدريجي لما تخاف منه مع منع الهروب، ومن ما يفيد في علاج مرضى الرهاب الاجتماعي أيضًا مقولة أحسبها لأحد المتصوفين وهي: "دوام النظر إلى الخالق ينسي ملاحظة المخلوق"، وما تزالُ الأمثلة وفيرةً ومعظمها لا يحتاجُ إلى تعليقٍ بل حسبهُ أنهُ يخرجُ من القلب إلى القلب ولكنني أعودُ لأؤكِّدَ أنَّ تحديد المريض المناسب والكلمات المناسبة لحالتهِ وله أمر يحتاج إلى من يعرف جيدًا عوارض وأبعاد الأمراضِ النفسية وكيفية التعامل معها ومتى نحتاجُ إلى هذا العلاج المعرفي مع الدواء ومتى يكون كافيا وحده ومتى يكون غير صالح على الأقل في مرحلة معينة من العلاج!
الرد مع إقتباس